ابن الجوزي

215

المنتظم في تاريخ الأمم والملوك

وكان سببها ، ان قادما قدم المدينة بجلب له ، فأخبر أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ان أنمارا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع ، فبلغ ذلك رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم واستخلف على المدينة عثمان بن عفان ، وخرج ليلة السبت لعشر خلون / من المحرم في أربعمائة ، وقيل : في سبعمائة ، فمضى حتى أتى محالَّهم بذات الرّقاع - وهو جبل - فلم يجد إلَّا نسوة فأخذهنّ وفيهنّ جارية وضيئة ، فهربت الأعراب إلى رؤس الجبال ، فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم فصلى بهم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم صلاة الخوف ، وكان أول ما صلاها . وانصرف راجعا إلى المدينة ، فابتاع من جابر بن عبد الله جمله وناقته ، وشرط له ظهره إلى المدينة وسأله عن دين أبيه فأخبره ، فقال : إذا قدمت المدينة فأردت أن تجذ نخلك فأذني ، واستغفر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لأبي جابر في تلك الليلة خمسا وعشرين مرة ، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة ، وبعث جعال بن سراقة بشيرا إلى المدينة بالسلامة . ومن الحوادث في هذه السنة : غزاة دومة الجندل ( [ 1 ] في ربيع الأول ، وذلك أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بلغه أن بدومة الجندل جمعا كثيرا ، وأنّهم يظلمون من مرّ بهم ، وكان بين دومة الجندل وبين المدينة مسيرة خمس عشرة ليلة ، أو ست عشرة ، فندب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم الناس ، واستخلف ابن عرفطة ، وخرج لخمس ليال بقين من ربيع الأول في ألف من المسلمين ، وكان يسير الليل ويكمن النهار ، ودليله يقال له مذكور ، فهجم على ماشيتهم ورعاتهم وأصاب من أصاب وهرب من هرب ، وتفرق أهل دومة الجندل ، ولم يجد بساحتهم أحدا ، وأخذ منهم رجلا فسأله عنهم ، فقال : هربوا حين سمعوا أنّك أخذت نعمهم ، فعرض عليه الإسلام فأسلم ورجع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لعشر ليال بقين من ربيع الآخر ، ولم يلق كيدا .

--> [ 1 ] المغازي للواقدي 1 / 402 ، وطبقات ابن سعد 2 / 1 / 44 ، وسيرة ابن هشام 2 / 213 ، وتاريخ الطبري 2 / 564 ، والبداية والنهاية 4 / 92 ، دلائل النبوة 3 / 389 ، وأنساب الأشراف 1 / 164 ، وابن حزم 184 ، وعيون الأثر 2 / 75 ، والنويري 17 / 162 ، والسيرة الحلبية 2 / 362 ، والسيرة الشامية 4 / 484 .